♥ يوسف السباعي ♥

♥أتدرون ما يحملنا على التعلق بالحياة ؟ أتعرفون ماذا يشدنا اليها ويخيفنا من الخروج منها. أنه شيء واحد: هو صلتنا بمن حولنا. هو حبهم لنا , وحبنا لهم ! اننا نكره ان نغادرها لأننا نخشى الم الفرقة ومرارتها   ♥   
Showing posts with label قصة ::: صغيرها. Show all posts
Showing posts with label قصة ::: صغيرها. Show all posts

Thursday, July 3, 2008

:: قصة :: صغيرها

صغيرها

 

 

رغماً عنها تبسمت متذكرة كلماته الأخيرة، يوم أن هاتفها خلسة، فلم تصدق أذنيها ..

- صغيري كيفك؟! أستوحشتك كثيراً.

ملأت ضحكته المتزمرة أذنيها ..

- ألازلت صغيرك!! .

بلهفةٍ حنونة .. أجابته ..

- نعم .. و ستظل صغيري دائماً.

 

أنفلتت تنهيدتها، رغماً عنها، والدموع تزاحمت بمقلتيها، لكنها تحجرت، فلم يعد لها قدرة البكاء أكثر، لقد قطعت عهداً على نفسها، ألا تذرف دمعها بعد اليوم، الى أن يعود أليها طفلها، و تحتضنه ذراعيها.

جافاها النوم حتى أشراقة الصباح الأولى، يأست في أن تحتال عليه و لم تجد له سبيلاً، فلم تستطع أن تغفو، و لا أن تبعد فكرها عنه .. نهاية .. ضاع منها كل أمل في أن تهنأ بأغفاءة قصيرة، نهضت بتراخي و أستسلام من مخدعها، و أتجهت لموقدها لعلها تحضر فنجان من القهوة التركية .. تدمن منذ زمان بعيد، ذلك الطقس العجيب، حتى تنام منعمة بأستغراق، في رحلة من هدوءٍ مؤقتة، مما يشغل فكرها.

تعجبت كيف كانت لسنوات طويلة، لا تجد لنفسها بضع ساعات، و تتحايل على الوقت لعلها تنال قليلاً من الراحة .. مبتعدة خلسة عن كل ما يدور حولها، لا يوقظها إلا بكاء صغيرها، و هتافه ليعيدها أليه مرة أخرى، متعجلاً غفوتها المسروقة.

تتابع نضج قهوتها، وكلمات صغيرها لا زالت تشغلها، كان محرجاً منها و هو يسوق لها أعذاره ..

- لقد تأخرت بمهاتفتك رغماً عني .. لم أستطع حقاً قبل الآن ..

قاطعته بهدوء، سريعاً وكلماتها تنهي عنه حرجه :

- نعم .. أعلم ظروفك القاسية، وأنك لا تجد الوقت الكافي للراحة، ودوامة العمل التي لا ترحمك، ودراستك المستهلكة لكل وقت راحتك، لا تبتأس .. لازلت بخير، و كل أحوالي على ما يرام، لا ينقصني سوا أن أغمرك بذراعي، و أطمئن عليك، متى سأراك؟.

صمت للحظة .. أنبأتها بما سيسوقه أليها .. متلجلجاً كما تعودت منه، كلما أراد أن يزف لها خبراً ما، يعلم جيداً إنه سيصدمها، فلا تزل تراه صغيراً يدنو منها، بتردد و إرتباك، ليخبرها عن أمر ما، يعلم إنه سيسوئها سماعه. خاصة خلال دراسته .. كان يعلم إنها لا يحزنها أمر، قدر تدني درجاته بأحدى الأختبارات.

لم يكن يعنيها من الحياة شيئاً، قدر أن تأمن له قسط من التعليم، أكثر مما أستطاعت أن تهبه من رفاهية الحياة. أحلامها جميعاً لم تحيد عن أن تراه يوماً ما أكثر علماً و مكانة إجتماعية عن كل أخوته و عائلته.

تلك العائلة التي تنصلت منهما، بيوم وفاة والده، و هؤلاء الأخوة الذين لم يتوانوا للحظة، في سلب حقوقه، و شن حرب عليهما، بكل السبل، حتى ينكروه أخاً لهم، فلا يكون وصمة العار عليهم. فبعد أن فرضها أباهم بزواجه منها، رغماً عن أرادتهم، زادت الأمر سوءاً، بإنجابها له .. كأعلانٍ دائم عن ذلك الزواج بحياة والدهم و بعد مماتهِ. قاطعت همهماته غير المفهومة .. التي تعودت عليها، كلما أراد التهرب من أنفلات كلماتها، الحزينة، الممتزجة بدموعها.

قالت متعجلة بخوف مترقب، من سماع ما تخشاه :

- اذن لم تستطع ان تحصل على إجازة؟! .. أليس كذلك؟.

زفر بإرتياح، و كأن هماً أزيح عن كاهله، زفرة لا صوت لها يسمع، لكن قلبها ألتقطها دون أذنيها، كما تعودت دوماً، منذ ان لفظه رحمها للحياة. قال بأستكانة، و راحة، لا تخفى عليها، رغم بذله جهدا حثيثاً - ليس لي حيلة، لا أستطيع سوى أن أحصل على بضعة أيام قلائل، و لا أظنها تلك الإجازة التي حلمنا بها، لنعوض سنين الفراق الماضية ! لذلك سأستغلها فى الراحة من إجهاد الدراسة و العمل، على وعدٍ منهم، بأني سأحصل على عطلة قريباً جداً .. .

قالت :

- و متى هذا القريب جداً .. بعد سنة؟! .

قال متداركاً الأمر سريعاً :

- لا .. لا .. إنه في خلال أشهر قليلة كما وعدوني .. و أظن هذه المرة، لن ينكثوا. فلقد طال بي الإنتظار، و حتماً سيضعون ذلك بإعتبارهم ..

قالت تقاطعه:

- فتعود لتقول لي .. العطلة بوقتٍ غير مناسب مع دراستك ؟! .. لأنتظر سنة أخرى؟! .. لقد تعبت يا صغيري ببعدك .. لم أعد أقوى على الأنتظار أكثر .. أريد أن أحتضنك بين ذراعي، لأغفو مطمئنة، بأني قد رأيتك رجلاً، يستحق أن يفخر بكَ، كل من أنكروك يوماً .. أحلم بأني قد أطفأت لهيب حنيني إليك .. و أنك قد عدت لذراعي، حيث تنتمي .. و ..

قال سريعاً .. يقاطعها :

- أمي .. تمهلي .. كل الأمور ستكون بخير .. و لقد وعدوني .. لن أستطيع أن أحدثك أكثر من هذا .. أزف موعدي لأجتماعٍ هام .. سنتحدث يوماً آخر .. الى لقاء .. .

 

نحت قهوتها بعيداً عن نيرانها .. و إبتسامة مستسلمة لا تفارقها، و هي تحاول أن تتذكر متى كان موعد هذا الإجتماع الهام، الذى أختطف منها صوت صغيرها!!.

أو لعلها حاولت أن تدعي، أنها لا تتذكر جيداً، كل يومٍ و ساعةٍ مرت خلال الشهر الأخير المنصرم منذ آخر إتصالٍ جمعهما. أتجهت لغرفة صغيرها، آخذة فنجان قهوتها التركية، ترتشفها ببطءٍ متمهل، تتطلع بتلك الجدران الغالية، التى ضمت يوماً، أعز ما لديها.

بسكينةٍ طال جلوسها على مقعدها،الذى أعتادت أن تقضي عليه الساعات الطويلة، تتابع صغيرها يستذكر دروسه حتى لا يشعر بالوحدة و السقم لطول الساعات.

لم تكن تستطيع مساعدته بأكثر من ذلك .. كانت دراسته بتلك اللغة الأجنبية تصعب عليها متابعته جيداً .. بعد أن إجتاز مرحلته الأبتدائية. تتذكر كيف رأته هنا، على هذا المكتب، يتحول من طفلا صغيرا، لشاباً يافعاً. كم سهرت معه، لساعات الصباح الأولى تقرأ كتاباً ما، و هو يجتهد بدراسته، ليصبح طبيباً نابغاً، كما كان والده ، فتؤهله نجاحاته ليكمل دراسته بالخارج.

و هي تحيا على أملٍ بأن يعود لها يوماً ما، ليملأ دنياها برؤية نجاحاتهِ .. و منزلهما بصغارهِ، فتسعد بلهوهم و مزحاتهم و تتندر بها كما كانت تتندر بصغيرها.

لكن الشهور تمر، و السنوات تنفرط .. و الصغير لم يعد!! .. و كل عام يسوق سببٍ مختلف! .. و كلما أنهى دراسة بدأ في الآخرى .. و نجاحاته تكبر و تكبر .. و العمر يمر منها و يبعده عنها .. و قلبها يشيخ .. و أحلامها تهرم في غيابه. تخدعها دموعها و تنهمر بغزارة مرة أكثر من فنجان قهوتها .. فتغرق بدموعها حتى النفس الأخير المنقطع منها.

تمت بحمد الله